يحتمل :" عزيزتي فدوى :أنا واثق من
أنت لم تنسي هذا الإنسان الذي يكتب إليك لأنه هو نفسه لا يستطيع أن
ينساك ، منذ أن قال لك ذات يوم :وداعا ، وأنا واثق من أنك قد
تساءلت بينك وبين نفسك عن سر انقطاعه عن القراءة منذ أربعة أشهر
...إن من الأشياء العزيزة عليه والتي ظل مؤمنا بها حتى هذه اللحظة
ما كان بينك وبينه من صلات الروح "ومن خلال هذه الرسالة يتأكد لنا
الجانب العاطفي في هذه العلاقة ، في حين يصر المعداوي على تبرير
القطيعة التي وقعت بينهما ، ويعيد السبب في ذلك إلى قوة الحب ،
ولعل قصيدة " الانفصال " تمثل فترات التقطع والانفصال التي كانت
تدور بين الأديبين :
إلى أين أهرب منك وتهرب مني
إلى أين أمضي وتمضي
ونحن نعيش بسجن من العشق
سجن بنيناه نحن اختيارا
وروحنا يدا في يد
نرسخ في الأرض أركانه
ونعلي ونرفع جدرانه
من العشق شدناه ، من لبنات الأماني
ورسم خطوط الغد
ومن ألف رائحة ألف لون
من الذكريات
من العاطفات
من العبرات بنيناه
من تفجر ضحكات الهائلة
إلى أين أهرب منك وتهرب مني
إلى أين أمضي وتمضي
ونحن نعيش بسجن
نحاول منه انعتاقا عسانا
نلاقي الخلاص كلانا
إلى أن تخور قوانا
وننهار عجزا ، وتبقى أمامي
وأبقى أمامك وجها لوجه
وفي شفتينا لهاث أوام
فكيف الفرار حبيبي وأين
ونحن ندور ونجري ونهرب
منا إلينا
سدى ومحال
سدى لا انعتاق لنا لا انفصال
محال حبيبي محال
وحين التقت الشاعرة مع الحب – في تلك المرحلة – حاولت أن
تعطيه الكثير الكثير ، لاعتقادها بقوته الفتاكة وقدرته الأكيدة على
تحطيم القيود والخروج إلى عالم مثالي ؛ يتفق وتطلعات الشاعرة ، إذ
كان الحب لها مهربا تأنس به في فترات الضعف :
كان لي الحب مهربا أحتمي فيه
إليه أفر من مأساتي
كان دنيا في أفقها الرحب استرجع حريتي أحقق ذاتي
وحين ينحصر مفهوم الحب في هذه الزاوية الضيقة ، " ملجأ
تحتمي فيه " ، يصبح الانسلاخ من هذا الملجأ سهلا ، وخصوصا حين لا
يستطيع هذا الملجأ تحقيق المأرب المنشود ، ومن هنا نستطيع أن نفهم
سر التجدد في العلاقات التي أقامتها الشاعرة مع بعض الأدباء
والشعراء ، وسر الإخفاق السريع في هذه العلاقات . ومن هنا نستطيع
كذلك أن نفهم دلالة صرخة " أرخميدس " في ديوانها الثاني بعد فشل
علاقتها مع إبراهيم أبو النجا ؛ ذلك أن عبارة وجدتها مجرد محاولة
للتخفيف من الضغط الاجتماعي واسترداد بعض الجزيئات الضائعة .وتظهر
قيمة هذا الاستدلال حين ننتقل مسرعين إلى الديوان الثالث " أعطنا
حبا " بعد فشل علاقة ثانية مع المعداوي .وبعد أن درسنا هذه التجارب
نستطيع أن نشير إلى أن تجارب فدوى مع المحبين – من الشعراء
والأدباء- تمثل الجانب الهروبي في نفسية الشاعرة
اللبقية في
العدد القادم
بقلم : رمضان عمر |
في قفار الزمن الجبار، في لا منتهاها
ذرة ضاعت فما تعرف في الكون اتجاها
ثم في المقطع الخامس نرى أنها تنتظر من الحبيب أن ينقلها
إليه في حلم مشوق فيناديها من بعد :
أنا من يناديك هل تسمعيني
أنا من رماني عليك القدر
أجيبي ندائي أنا من يريدك
جسما وروحا خيالا وشعر
وتبقى فدوى تشعر بأن تجارب الحب لا يمكن لها أن تكون أكثر
من قصائد شعرية يخلدها التاريخ ، ولعلها تجد في ذلك غصة ، وإن لم
تبرز ذلك الآبيات الشعرية:
قرأتك يا ليل شعرا تفجر
نــارا مدوحة زافرة
فأدركت أيــة روح جموح
وراء أناشيدك الهادرة
هوى سوف يرويه جيل لجيل
قصائد حب تعدي العدم
ويبقى الحبيب في نظرها ، هو المنقذ ، الذي ينقلها إلى عالم
السعادة ويخرجها من عالم الأشباح والقيود والأغلال:
خذني إلى ركن من الأرض
لم يغش فيه شبح البغض
لا أعين بسمها تنضح
فيه ولا ألسنة تجرح
هناك في الصفاء تبني لنا
يد الهوى منزلا
وعلى الرغم من أن فدوى أشارت في بعض المقاطع إلى محاولات
كسر القيد والانطلاق إلى عالم البوح ، أو التحدي ، إلا أن هذا
الانطلاق -في حقيقة – وهمي تخفف به عن أشواقها المكبوتة ، وتحاول
الخروج من أزمتها الضيقة:
وأخيرا جمعت بينهما قوة حب لا تلين
قوة أقوى من البعد وجدران السجون
تحطم الأقفال والأبواب ، تلوي بالقيود
تغلب السجان ، تدني نحوها كل بعيد
لذلك انتهت قصة حبها مع كامل ، كما انتهت قصص حبها مع
الآخرين ، على الرغم من كل محاولاتها لإظهار عمق هذه العلافة،
وقيمتها النفسية لدى الشاعرة ؛ لأن فدوى كانت في حلم دائم حتى في
تجاربها الواقعية ، ولعلها كانت تخشى التعمق في علاقاتها وتؤثر في
بقاء مسافات آمنة بينها وبين الحبيب ، وهذا ما يعلل سر تجانسها مع
الحب " الحب بالمراسلة " ولعل هذا ما يفسر –أيضا – سبب بعد معظم
المحبين عنها ، فإبراهيم محمد نجا ، مثلا على الرغم مما بدت
العلاقة معه من عمق إلا أن اللقاء بينهما لم يتحقق ، وهذا ما حصل
مع المعداوي وعلي محمود طه أيضا حين انتهت علاقتهما مع الشاعرة دون
أن يكون لتينك العلاقتين أي تجاوزات يذكر خارج نطاق الإبداع الفني
المسطر في المبادلات الشعرية أو النثرية .أما ديوان الشاعرة الثاني
فهو يمثل تجربة الشاعرة مع الأديب المصري أنور المعداوي ، وقد بدأت
هذه العلاقة مع قصيدة " مع لاجئة بالعيد " التي أهدتها إلى
المعداوي ، ونشرتها في مجلة الرسالة ، ورد المعداوي على الإهداء
بكلمة وجهها إلى فدوى وحياها فيها من أجل هذه القصيدة .ثم بدأت
المراسلة بينهما ، وكانت الرسالة الأولى المؤرخة بتاريخ 26|9|51
والموقعة بتوقيع أنور المعداوي تمثل بداية هذه العلاقة . وتكثر في
هذه الرسالة عبارات التقدير ويطغي عليها البعد الرسمي :" ولك يا
أختاه مني تقدير اليوم بعد تقدير ألامس مع خالص التحية من الشاكر
الذاكر "هذه البداية الرقيقة المتواضعة ، علاقة الإعجاب والتقدير ،
سرعان ما يتحول في رسائل المعداوي المتقدمة إلى علاقة لها أبعادها
العاطفية .وتضرب هذه العلاقة جذورها في أعماق الناقد ، وتصبح
محاولة الانعتاق من هذه العلاقة –للناقد – آمرا لا |